محمد جواد مغنية

187

في ظلال نهج البلاغة

معه ، أو ولد منها ، بخاصة ما قاله أيام خلافته ومحنته بالكوفة وأهل الكوفة الذين خاطبهم بقوله : « لقد لقيت برحا » . وفي خطبة سابقة سأل اللَّه سبحانه أن يبدله بهم خيرا منهم ، وقال في هذه الخطبة : لقد ملأتم قلبي قيحا ، وشحنتم صدري غيطا ، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسا أي أنه تجرع الهم مع كل نفس من أنفاسه . . ترى هل من مزيد على هذه المحنة والمأساة . . أبدا حتى نفس واحد لا يصفو له من الكدر . ( أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فتحه اللَّه لخاصة أوليائه ) . كان الحاكم قبل الاسلام لا يخضع لشرع وقانون ، والكل خاضعون لقوله ورأيه ، فهو وحده المشرّع والقاضي والمنفذ . . يعلن الحرب على من شاء متى شاء ، ويجند من أراد بلا رقيب وحسيب . . ولما جاء الاسلام أخضع الحاكم والمحكوم لنصوص القرآن والسنة ، قال تعالى : * ( ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) * - 45 المائدة . وقد أمرت هذه النصوص بالجهاد والدفاع عن الحق وأهله ، ووعدت المجاهدين بالجنان والحور الحسان ، وتوعدت المتخلفين بغضب اللَّه وعذاب الحريق ، ولكنها ما أشارت إلى كيفية التجنيد ، ولا إلى عقوبة من تخلف عن الجهاد ، وما حددت سن المجندين . . إلى غير ذلك مما جاء في القوانين الحديثة . أمر الإسلام بالجهاد وترك التنفيذ إلى دين المسلم وقناعته تماما كالأمر بالصلاة والصدقة والتعاون على البر . . وآية ذلك سيرة الرسول والإمام ، وهذه الخطبة وأشباهها . . يأمر بالجهاد ، ويحث عليه ويرغب فيه ، ويحذر من تركه وما يتبعه من سوء العاقبة . . فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . ومن أقواله : ألا وإني معسكر في يومي هذا ، فمن أراد الرواح إلى اللَّه فليخرج ، تماما كالوعاظ والمرشدين . وقد تثير أقواله ( ع ) الحماسة في بعض النفوس فتتطوع للجهاد ، ويؤمّر الإمام عليها من يختار ، وفي أكثر الأحيان كانوا يسمعون منه ، وينصرفون عنه . وتسأل : لقد نزل في القرآن العديد من الآيات في الأسلحة وصورة الجهاد كقوله تعالى : * ( إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِه صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ) * - 4 الصف . وقوله مخاطبا نبيه الكريم : * ( تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ) * - 121 آل عمران وقوله : * ( وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ومِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ) * - 60 الأنفال . وأيضا أمر النبي ( ص ) بمقاطعة بعض المتخلفين عن غزوة تبوك كما أشارت الآية 118 من سورة التوبة : « وعلى الثلاثة الذين خلفوا » .